إخوان الصفاء
252
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
من الحيوان والنبات والمعادن . واعلم أن هذه الأركان متفاوتات القوى ، متضادّات الطبائع ، مختلفات الصّور ، متباينات الأماكن ، متعاديات متنافرات ، لا تجتمع إلّا بتأليف المؤلّف لها . والتأليف متى لا يكون على النّسبة لم يمتزج ولم يتّحد ، ومن أمثال ذلك أصوات النّغم الموسيقيّة ، وذلك أن نغمة الزّير رقيق خفيف ، ونغمة البمّ غليظ ثقيل ، والرقيق ضدّ الغليظ والخفيف ضدّ الثقيل ، وهما متباينان متنافران لا يجتمعان ولا يلتقيان إلّا بمركّب ومؤلف يؤلّفهما . ومتى لا يكون التأليف على النّسبة لا يمتزجان ولا يتّحدان ولا يستلذّهما السّمع ، فمتى ألّفا على النّسبة ائتلفا وصارا كنغمة واحدة ، لا يميّز السمع بينهما ، وتستلذّهما الطبيعة ، وتسرّ بهما النفوس ، وهكذا أيضا الكلام الموزون إذا كان على النّسبة ، يكون في السّمع ألذّ من النثر الذي ليس بموزون ، لما في الموزون من النّسب . ومن أمثال ذلك عروض الطويل ، فإنه ثمانية وأربعون حرفا : ثمانية وعشرون حرفا متحركة ، وعشرون حرفا ساكنة ؛ فنسبة سواكنه إلى متحرّكاته كنسبة خمسة أسباع ، وهكذا نسبة نصف البيت ، وهو أربعة عشر حرفا متحرّكة ، وعشرة أحرف ساكنة ؛ وهكذا نسبة الرّبع سبعة أحرف متحركة ، وخمسة أحرف سواكن . وأيضا فهو مؤلّف من اثني عشر سببا ، والأسباب اثنا عشر حرفا متحركة ، واثنا عشر ساكنة ، وثمانية أوتاد : ثمانية أحرف منها سواكن ، وستة عشر حرفا متحركة . ومن أمثال ذلك أيضا حروف الكتابة ، فإنها مختلفة الأشكال ، متباينة الصور ، وإذا جعل تقديرها ووضع بعضها من بعض على النسبة ، كان الخطّ جيدا ، وإن كان على غير النّسبة كان الخط رديئا . وقد بيّنّا نسبة الحروف بعضها من بعض كيف ينبغي أن تكون في رسالة أخرى . ومن أمثال ذلك أيضا أصباغ المصوّرين ، فإنها مختلفة الألوان ، متضادّة